السيد ابن طاووس
292
طرف من الأنباء والمناقب في شرف سيد الأنبياء
وهو قسيم النار ، يقول للنار : هذا لك فاقبضيه ذميما ، وهذا لي فلا تقربيه ، فينجو سليما في بشارة المصطفى ( 4 ، 5 ) بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة ، قال : دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في نفر من الشيعة ، وكنت فيهم ، فجعل الحارث يتلوّذ في مشيه ويخبط الأرض بمحجنه ، وكان مريضا ، فدخل فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السّلام ، وكانت له منزلة منه ، فقال : كيف تجدك يا حارث ؟ فقال : نال منّي الدّهر يا أمير المؤمنين ، وزادني غليلا اختصام أصحابك ببابك ، قال عليه السّلام : وفيم خصومتهم ؟ قال : في شأنك والثلاثة من قبلك ، فمن مفرط غال ، ومقتصد وال ، ومن متردّد مرتاب لا يدري أيقدم أم يحجم . قال عليه السّلام : فحسبك يا أخا همدان ، ألا إنّ خير شيعتي النمط الأوسط ، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي . فقال له الحارث : لو كشفت فداك أبي وأمّي الريب عن قلوبنا وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا ؟ قال : فذاك ، فإنّه أمر ملبوس عليه ، إنّ دين اللّه لا يعرف بالرجال بل بآية الحقّ ، فاعرف الحقّ تعرف أهله ، يا حار إنّ الحقّ أحسن الحديث ، والصادع به مجاهد ، وبالحقّ أخبرك فأعرني سمعك ، ثمّ خبّر به من كان له حصانة من أصحابك . ألا إنّي عبد اللّه وأخو رسوله ، وصدّيقه الأكبر ؛ صدّقته وآدم بين الروح والجسد ، ثمّ إنّي صدّيقه الأوّل في أمتكم حقّا ، فنحن الأوّلون ونحن الآخرون ، ألا وإنّي خاصّته - يا حارث - وصنوه ووصيّه ووليّه وصاحب نجواه وسرّه ، أوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب وعلم القرآن ، واستودعت ألف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب ، يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد ، وأيّدت - أو قال : وأمددت - بليلة القدر نفلا ، وإنّ ذلك ليجري لي والمتحفظين من ذريتي كما يجري اللّيل والنهار ، حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها .